محمد بن زكريا الرازي

141

الحاوي في الطب

« جوامع الحميات » : قال : انقضاء قرانيطس يكون إما بعرق وإما برعاف ، الثقل والصداع في الرأس إذا عرضا لمن به ورم حار في ناحية دماغه يدلان على التشنج . قال الإسكندر في « كتابه في البرسام » : البرسام يكون من الصفراء إذا صعدت إلى الرأس فأورمت الدماغ أو الآم الصلبة « 1 » ويتقدمه سهر طويل ونوم مفزع ، وربما عرض معه النسيان ويكون معهم غضب وسفه وتحمر أعينهم وتتابع النفس وتخبو المجة وينظرون دائما لا يغضون أطرافهم وتدمع عيونهم ويضر فيها قذى ورمص ويلتقطون الزئبر من الثياب والتبن من الحيطان ، يظنون ذلك وألسنتهم خشنة وحماهم يابسة وربما لم يجسوا ليبس عصبهم من أجل يبس الدماغ ، وربما أصابتهم رعشة فهذه علامات البرسام الخالص الذي من سقم الدماغ . وقد اشتبه على قوم فظنوا أن البرسام يكون أيضا من ورم الحجاب وليس يكون من ورم هذا الحجاب إلا الهذيان ، والفرق بينه وبين البرسام أن الحرارة ها هنا فيما دون الشرسيف أكثر ومعه ضيق النفس وفي البرسام الحرارة في الرأس والحمى دائما والعين أحمر وملمس الرأس حار جدا ويرعف كثيرا ، ويفرق بينه وبين الجنون بالحمى لأن الجنون لا حمى معه ، وفي البرسام حمى دائمة ، فهذه علامات البرسام الخالص الصفراوي فإن شابه بلغم اختلطت أعراضه فيهدؤون ويسبتون أو يهدؤون ويسكنون ، وعلامات البرسام أن تكون حادة قوية في أول الأمر لقلة صبر الدماغ على لذع الصفراء فيكونون كالمجانين سواء ما ، وإذا امتدت الأيام ضعفت العلامات وقل الاضطراب والهذيان وضعفت القوة حتى أنهم بكد ما يشيلون أعينهم ، وتكون مجستهم صغيرة جاسية ، علاج هؤلاء إذا كانت القوة توجب الفصد فإنه أفضل علاجهم ، فإن منع فافصد عرق الجبهة وإن خفت اضطرابه فأخرج دمه بمرة ورطب رأسه بخل ودهن ورد دائما فإن ذلك يقوي الدماغ ويقمع البخار وينقص حر الرأس ولا يجذب إليه البخار وأخلط بالخل أشياء مخدرة واحتل أن تنومه ، فإن ذلك أفضل ما عولجوا به ، واسقه شراب الخشخاش فإنه مع ما ينوم يبرد ويسكن الحمى . وإن لم يضطر إلى هذا الشراب لكثرة السهر فلا تسقه ، وخاصة إذا كان برسامه مع بلغم وليست أعراضه حارة حريفة جدا ، وإن رأيت قوته ضعيفة فلا تستعمل شيئا من المخدرات بتة ، فإنه يضر ضررا عظيما ، وربما قتلت ، واجعل هواءهم معتدلا فإن الحار يملأ رؤوسهم والبارد يجمع فيه حرارة كثيرة ، ويغمز رجله ويشد أطرافه وينزل البخار وينطل عليها ماء حارا ، وأفضل هذه قبل نوبة الحمى وبعد هبوطها ، وضع المحاجم أسفل البدن لتجذب الحمى إلى أسفل واسقهم ماء الشعير فقط ولب الخيار والسمك الصغار والرمان واسقهم ماء حارا مرات ، فإنه يسكن عطشهم جرعة جرعة فقط ، وباعدهم من الماء البارد وخاصة إن كان في الحجاب ورم ، ويعقبهم حميات حادة . وأنهم استراحوا إليه في أول الأمر ، وقد سقيتهم الماء والدهن مرة لما رأيت كثرة اليبس والحرارة استرخت الشراسيف وانطلق البطن وهاج

--> ( 1 ) أي : الغشاء الغليظ .